محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
22
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
والتاريخ المعاصرون بنوع من العنجهية والغرور ( وهذا الموقف المتغطرس موجّه ضد المؤمنين فقط ، هؤلاء المؤمنون الذين يرذلون رذلا في ركن الفئة غير العلمية ) . ولكن ليس هذا موقفي . ولا أريد اختزال الظاهرة الدينية أو نفي الوحي كما يفعل الكثيرون . . . لما ذا أقول ذلك ؟ لأن المؤرّخين وعلماء الألسنيات المحدثين يحلّون التفسير الوضعي والعلموي محل غيره من دون أن يعوا أن النصّ الديني هو أولا مرجعية وجودية إجبارية بالنسبة للمؤمنين . ولكننا لا نستطيع أن ننكر أن هؤلاء العلماء الوضعيين يساهمون في القيام بأول خطوة منهجية لا بد منها . إنّ المبادئ السابقة التي عدّدناها تعني ضمنيا وجود تعايش بين مستويين من مستويات الوحي ، وكثيرا ما يخلط بينهما في التعبير الشائع أكثر من غيره : أي كلام اللّه . نقول ذلك على الرغم من أن القرآن نفسه يلح على وجود كلام إلهي ، أزلي ، لا نهائي ، محفوظ في أمّ الكتاب ، وعلى وجود وحي منزل على الأرض بصفته الجزء المتجلّي ، والمرئي ، والممكن التعبير عنه لغويا ، والممكن قراءته « * » . وهو جزء من كلام اللّه اللانهائي بصفته إحدى صفات اللّه . هذا التمييز بين نوعين من الوحي أو بين مستويين من الوحي بالأحرى موجود في نظرية المعتزلة القائلة بخلق القرآن . ولكنه عمليا مشطوب أو غائب عن التصوّر الشائع عن القرآن بصفته كلام اللّه ، والوحي ، والكتاب المقدّس ، والشريعة الإلهية في وقت واحد . إنّ الفكرة القائلة بأن الوحي قد أعطي كله من قبل اللّه وأرسل إلى البشر عبر الأنبياء والملائكة ، أصبحت بالنسبة لليهود والمسيحيين والمسلمين التصوّر العضوي المركزي ل « الدين الحق » . ينبغي القول بأن المسلمين يضيفون إلى ذلك أن الآيات المعبّر عنها باللغة العربية تمثّل الكلام الأصلي والتركيب النحوي والصرفي لله نفسه . وهو كلام يتحدّث عن جميع أنماط المخلوقات ، والكائنات البشرية ، والعوالم ، والأشياء المتجذّرة أنطولوجيا في المبادرة الخلاقة للّه . إنّ هذا التصوّر يؤثّر بشكل صريح أو ضمني على جميع الأبعاد التاريخية والثقافية للمجتمعات التي اعتنقت الإسلام . بهذا المعنى ، فإن هذه المجتمعات
--> * هذا التمييز الذي يقيمه أركون بين المستوى المتعالي كليا للوحي ، وبين المستوى المتجلي تاريخيا في لغة بشرية معينة ومن خلال حروفها وأصواتها ، ونحوها وصرفها ، أمر بالغ الأهمية . فالمستوى الأول لا يمكن أن يصل إليه أي بشري ولا حتى الأنبياء لأنه يمثّل « أمّ الكتاب » ، أو « اللوح المحفوظ » عند اللّه فقط . وأما المستوى الثاني الذي تجلّى للبشر في الحياة الأرضية فهو ذو بعد تاريخي على الرغم من استلهامه المستوى الأول ، وهو يتجسّد في المصحف ، أو في التوراة ، أو في الإنجيل . إنه يمثّل كلام اللّه المخلوق كما تقول المعتزلة . ولكن بما أن أطروحتهم سقطت أو هدمت تاريخيا ، فإن المسلمين راحوا يخلطون كليا بين كلا مستوي الوحي ، وراح القرآن يفقد طابعه التاريخي بشكل كامل .